بقلم/نشأت البسيوني
الوطن ليس مجرد ملامح نراها من نافذة القطار ولا شوارع نمر بها في طريق العمل اليومي ثم ننساها الوطن أعمق من حركة السير وأبقى من بنايات ترتفع وأخرى تهدم الوطن في حقيقته رقعة خفية يختزنها القلب في زاوية لا يصل إليها الزمن ويترك فيها الإنسان جزءا منه دون أن يشعر الوطن هو الذاكرة التي تسبق الوعي واللغة التي تشكل طريقة تفكيرنا والظل الذي يرافق خطواتنا
حتى لو سافرنا إلى آخر الأرض هو تلك الرعشة التي تصيب الروح حين نسمع نشيدا قديما كنا نردده في المدرسة وتلك الدمعة التي تهرب منا حين نشاهد مشهدا بسيطا لشارع من شوارع طفولتنا نكتب عن الوطن فنكتب عن أنفسنا ونروي قصة الوطن فنروي قصة نشأتنا ونحكي عنه فنحكي عنا لأن الإنسان لا ينفصل عن وطنه حتى حين يظن أنه قادر على ذلك الوطن الذي ينبت في
النفس قبل أن نراه بالعين نحن لا نرى الوطن حين نولد نحن نسمعه نسمعه في ضحكة الأم أول مرة وفي دعاء الجدة وفي صوت الأب حين ينطق اسمنا نسمعه في لهجة الجيران وفي صرير باب البيت وفي النداء الأول للصباح الذي ينساب من نافذة المطبخ وقبل أن نتعلم المشي نكون قد عرفنا دون وعي شكل الوطن في قلوبنا الوطن ليس شجرة فقط بل ظلها ليس الطريق فقط بل الخطوة
الأولى عليه ليس البيت فقط بل الأمان الذي يفيض من جدرانه وهكذا يبدأ الوطن فينا كأنفاس نتنفسها أكثر مما نعيشها حين يشكل الوطن وجدان الإنسان هناك لحظة محددة لا نعرف متى تحدث يتحول فيها الوطن من مكان نسكنه إلى معنى يسكننا نسمع حكاية من الماضي فتهتز داخلنا جذور لم نعرف أننا نملكها نرى صورة قديمة فنبتسم دون سبب يمر اسم الشارع الأول في حديث
أحدهم فنشعر وكأن القلب يصفق هذا الارتباط الغريب ليس منطقا إنه إحساس إحساس بأن هذه الأرض ليست مجرد تراب بل تاريخنا الشخصي وكأن الوطن يقول لنا أنا لست بعيدا أنا أنت الوطن في لحظات الفرح والوطن في لحظات الانكسار حين نفرح نبحث عن الوطن لنخبره وحين نحزن نبحث عنه لنستند إليه الوطن هو الصدر الذي يحتمل كل ثقل لا يحتمله أحد هو الأمان حين تضيق بنا الدنيا
وهو الباب الوحيد الذي لا يغلق في وجه أبنائه هناك لحظة عند كل إنسان لحظة صادقة جدا ينكسر فيها من شيء ما وعندها يدرك أن ملجأه ليس شخصا بل مكان وطنه الوطن لا يسأل لماذا عدت ولا يقول تأخرت ولا يحاسب لماذا رحلت بل يفتح ذراعيه صامتا لأن الحب الأكبر لا يحتاج إلى تفسير حين يحمل الإنسان وطنه معه في الغربة الغربة لا تبدأ حين تسافر الغربة تبدأ حين تدرك أنك تحمل
وطنك في حقيبتك دون أن تنتبه تحمله في لهجتك وفي طريقة سلامك وفي كلمات معينة لا تستطيع التخلي عنها وفي حنين لا يعرف أحد تفسيره إلا أنت الغريب هو ذلك الذي يسير في أرض ليست أرضه لكنه يسمع في داخله خطواته على رصيف بعيد هو الذي يأكل في مكان مختلف لكن طعم الطعام يبقى ناقصا كأن شيئا صغيرا مفقودا شيء لا يرى لكنه ضروري ليكتمل الأمان ولهذا حين
يعود المهاجر إلى وطنه حتى لو لساعات يعود طفلا يرجع قلبه قبل أن يصل جسده الوطن الذي نغار عليه كما نغار على أحب الناس الغيرة على الوطن ليست غضبا واندفاعا كما يظن البعض إنها ذلك الخوف الجميل الذي لا نخجل منه الخوف من أن يقترب منه أحد بسوء أو يسيء إليه جاهل أو يقلل من قيمته مغرور هناك مقولة قديمة تقول إذا أردت أن تعرف قيمة وطنك استمع إلى من يسيء
إليه ستشعر فورا أن قلبك يقف وهذا صحيح لأن حب الوطن نقي يشبه حب الأم والأب والأخوة حب لا يقبل المساس الوطن الذي يحتمل جراحه وجراح أبنائه كل وطن يمر بلحظات ألم وأحيانا يكون الألم طويلا ويبدو كأنه لن ينتهي لكن الوطن مهما طال الوجع لا يموت يضعف نعم ينزف نعم يقع أحيانا لكنه يقوم يقوم لأن أبناءه يدفعونه ويقوم لأن التاريخ يشهد له ويقوم لأن الأرض التي
أنجبته لا تقبل أن يدفن حيا والوطن الذي يقوم بعد الانكسار يعلم أبناءه أعظم درس أن الكرامة تبنى بالعرق وأن الفخر لا يمنح بل ينتزع الوطن ليس فكرة الوطن قدر لا أحد يختار وطنه لكن الجميع يختبرون فيه فمنهم من يعرف قيمته مبكرا ومنهم من يضيع عنه ثم يعود ومنهم من لا يفهم إلا حين يفقده لكن في النهاية لا أحد يهرب من وطنه حقا الإنسان قد يبتعد عن كل شيء
إلا أصله الأصل يبقى حتى لو تغيّر كل شيء حين يتحول الوطن إلى عهد بعد كل التجارب بعد الغياب والعودة بعد النضج والنضال يدرك الإنسان حقيقة واحدة الوطن ليس مكانا نعيش فيه الوطن عهد نحمله عهد بأن نكون أوفياء عهد بأن نترك أثرا عهد بأن نرفع اسمه في كل موضع نقف فيه عهد بأن نحبه كما يليق به لا كما نشتهي نحن والوطن لا ينتظر من أبنائه المثالية هو ينتظر منهم
فقط الصدق والصدق وحده كاف ليبقى الوطن قلب والقلب لا يشيخ تتغير الوجوه تتبدل الأيام لكن الوطن يظل في مكانه من القلب لا يتزحزح الوطن ليس حكومات ولا أنظمة ولا نزاعات الوطن أكبر من ذلك الوطن هو نحن هو الناس هو العرق الذي نسلخه لنعيش هو الحلم الذي نتركه لأطفالنا كي يواصلوا المسير والوطن مهما ضاقت بنا الدنيا سيظل المفهوم الوحيد الذي يطبطب على الروح دون كلام سيظل الحب الذي لا يخذل والعشق الذي لا يشيخ ولهذا سيبقى الوطن دائما الحكاية التي لا تنتهي والنبض الذي لا يخون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *