تزوير الشهادات ومحاربة الكفاءات : مخططات تمكين الجواسيس وتخريب الدول من الداخل

بقلم:/ حسام محرم

ان معركة الحفاظ على بقاء الأوطان لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل انتقلت إلى ميادين الحرب الناعمة التي تستهدف تخريب الدول من الداخل عبر نخر مفاصلها الإدارية والعلمية. إن استراتيجية التقويض الممنهج تعتمد في مقامها الأول على محاربة الكفاءات الوطنية المخلصة ومطاردة العقول المبدعة للتخلص منها، وذلك بهدف تهيئة البيئة وإفساح الطريق أمام محدودي الكفاءة والجواسيس والمخربين والمفسدين والجهلاء والتافهين ليكونوا في صدارة المشهد ويتحكموا في مقاليد الأمور.

وفي هذا الصدد، ومن منطلق المسؤولية الوطنية، فقد تقدمت بمقترح رسمي لكل من وزير الداخلية ورئيس هيئة الرقابة الإدارية عبر البوابة الإلكترونية لمنظومة الشكاوى الحكومية الموحدة (التابعة لمجلس الوزراء) برقم ١١٢٥٠٠٠٤ بتاريخ ١٦ ديسمبر ٢٠٢٥؛ يتضمن إشارة صريحة إلى ارتباط تزوير الشهادات الوثيق بملفات الجاسوسية وشبكات الفساد، ويقدم آليات عملية لكشف ومكافحة هذه الظاهرة الهدامة بناءً على رؤى متخصصين في هذا المجال.

ان ما دفعنا لتقديم هذا المقترح هو واقعة اكتشاف ما يربو على 15 ألف شهادة دكتوراه مزورة في دولة الكويت الشقيقة، والتي دقت ناقوس الخطر في المنطقة العربية بأكملها بعدما كشفت التحقيقات وصول هؤلاء المزورين إلى مناصب قيادية عليا وحساسة في مفاصل الدولة. إن هذه الواقعة ليست مجرد جريمة تزييف، بل هي “ثغرة استراتيجية” بالغة الخطورة تهدف إلى تخريب الدول من الداخل؛ عبر زرع عناصر تخريبية في مراكز صنع القرار. ويبرز هنا النموذج السوفيتي كشاهد تاريخي، حين تم استهداف الدولة بتصعيد “أسوأ العناصر” للمناصب العليا، مما أدى لانهيارها في غضون عشر سنوات؛ مؤكداً أن الجاسوسية التخريبية التي تُمكّن للتافهين تفوق في خطورتها القنابل الذرية.

نماذج من الجاسوسية التخريبية (أقنعة وتخصصات)

استخدم الجواسيس “الشهادات
المزورة” والأغطية المضللة لاختراق قطاعات حيوية، ومن أبرزهم:

١- طبيب السادات (جاسوس الموساد): انتحل صفة “طبيب علاج طبيعي” بموجب شهادة مزورة للوصول إلى الدائرة اللصيقة برأس السلطة في مصر، وهو أخطر أنواع التجسس السياسي والأمني.

٢- إيلي كوهين (سوريا): تستر خلف قناع “رجل أعمال وطني” لاختراق مفاصل الدولة السورية، مستهدفاً التجسس العسكري والاستراتيجي؛ وقد نجح في التغلغل لدرجة أنه كان على وشك الوصول إلى منصب كبير جداً وحساس في هرم السلطة قبل كشفه.

٣- ٱنا تشابمان (روسيا): استخدمت شهادة ماجستير (MBA) مزيفة لاختراق مجتمع المال وصناع القرار، في إطار التجسس الاقتصادي.

٤- يورغن كروتشينسكي (ألمانيا): استغل لقب “بروفيسور” لإدارة شبكة تجسس سوفيتية، مستهدفاً التجسس العلمي والنووي.

٥- جواسيس التخريب القطاعي: عناصر في دول عربية تسللت كخبراء استشاريين بشهادات مشبوهة لتمرير سياسات اقتصادية وزراعية هدامة، محققين تجسساً تخريبياً يضرب الأمن الغذائي والموارد الوطنية عبر تمكين الفساد وإقصاء الكفاءات.

آليات تقنية لكشف التزوير والاختراق

لم يعد كشف التزوير يقتصر على الورق، بل أصبح معركة تقنية لكشف من يسخرون العلم لخدمة المخابرات أو الفساد:

١- التوثيق الرقمي (Blockchain): لمطابقة الشهادة بسجلات الجامعات الأصلية بشكل مشفر لضمان صحة البيانات.

٢- تتبع المسار الدراسي: لكشف “الفجوات الزمنية” التي تختبئ وراءها عمليات الزرع الاستخباراتي.

٣- الذكاء الاصطناعي: لفحص الأبحاث “المصنوعة” التي تُمنح كغطاء للجواسيس والمخربين.

٤- المقابلات الفنية: لإسقاط أقنعة الجهلاء والتافهين عبر مناقشات تخصصية دقيقة تكشف الذاكرة الأكاديمية المزيفة.

رؤية استراتيجية لتحصين مؤسسات الدولة

إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب استراتيجية أمنية شاملة لا تفرق بين “المزور المفسد” و”المزور الجاسوس”، وذلك عبر:

١- مراجعة شهادات شاغلي المناصب القيادية: (سواء كانت جهات حكومية أو غير حكومية) لضمان خلو المواقع الحساسة من المزورين أو المخربين.

٢- فحص “الشخص” والأوراق: لقطع الطريق على عمليات زرع العناصر الفاقدة للأهلية والولاء في كافة المؤسسات.

٣- تحويل المناصب العامة (حكومية أو غير حكومية) إلى “مصيدة” الجواسيس المخربين والمفسدين عبر إخضاع أي مرشح لمنصب (وكذلك من يشغل منصب حاليا أو شغل منصب سابقا) لفحص أمني وأكاديمي صارم؛ وبذلك يسقط الجواسيس والتافهون بمجرد سعيهم للبروز في صدارة المشهد.

٤- فحص التزوير بأثر رجعي : وهو ما يعد فخ أو مصيدة تاريخية لكشف الشبكات الممتدة من الماضي (خاصة في قطاع الزراعة والتعليم والتعليم العالي) ومن ثم إجتثاث رواسب شبكات التخريب وشبكات الإفساد والمصالح التي تغلغلت منذ عقود داخل الكيانات الحكومية وغير الحكومية.

إن تطهير الدولة والمجتمع المدني والنخبة من المفسدين والجواسيس والتافهين وفاقدي الأهلية هو معركة أمن قومي بامتياز، تهدف لحماية استقرار وسلامة وثروات ومقدرات مصر والوطن العربي ككل من سرطان الفساد ومحاولات التخريب الممنهجة التي تهدف إلى تخريب الدول من الداخل

.سياسي ونقابي مصري – والمستشار الأسبق لوزير البيئة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *