حين يتحول الصمت إلى مرآة الروح

بقلم/نشأت البسيوني
في لحظة ما من العمر يدرك الإنسان أن الكلمات أحيانا تضلل أكثر مما توضح وأن الصمت هو الذي يكشف الحقيقة المخفية خلف الأقنعة والابتسامات الزائفة الصمت ليس غيابا عن الحياة بل حضور أعمق للنفس لحظة يواجه فيها الإنسان ذاته بلا أقنعة بلا مبررات بلا توقعات من الآخرين في هذه اللحظة يصبح قادراً على رؤية الناس كما هم وليس كما أراد أن يكونوا يصبح قادراً على التمييز
بين من يستحق قلبه ومن يستحق الابتعاد يصبح قادراً على فهم أن بعض الابتسامات كانت أكاذيب وأن بعض القرب كان سم وأن بعض الغياب كان نجاة وأن كل الألم الذي شعر به لم يكن إلا وسيلة لإعادة ترتيب عقله وروحه ومع مرور الأيام يتعلم الإنسان أن القوة ليست في الدفاع عن كل موقف أو محاولة إرضاء الجميع بل في القدرة على الاختيار الصائب ومنح الطاقة لمن يستحقها فقط الصمت يعلم
الإنسان أن ليس كل قريب صديق وليس كل حديث صادق وليس كل حب يستمر وأن الحياة تمنحنا دروسا مؤلمة لنفهم حدودنا وحدود الآخرين يعلمنا كيف نحمي أنفسنا وكيف نختار علاقات تقوينا وتعلمنا الحب الحقيقي والوفاء والصدق ويكشف لنا الأشخاص الذين كانوا مجرد ضوضاء في حياتنا ولم يكونوا نعمة ولا سند ومع كل لحظة صمت يكتشف الإنسان أن الرحيل أحيانا
حماية وأن الابتعاد أحيانا أمان وأن كل تجربة صعبة كانت خطوة نحو نضج أكبر وكل ألم عاشه كان مرآة لتفكيره وحدوده وقيمه في نهاية المطاف يصبح الصمت ملاذا وحكمة ويصبح قلبه أكثر صفاء وروحه أكثر اتزانا ويتعلم أن القوة الحقيقية هي في القدرة على المضي قدماً بثقة دون انتظار اعتراف من أحد دون محاولة فرض ذاته على من لا يقدرها ويصبح قادراً على العيش بسلام مع نفسه
ومع من حوله وفي نهاية الطريق يدرك الإنسان أن الصمت لم يكن ضعفا بل كان أداة لفهم الحياة وحماية القلب والروح كل لحظة هدوء كل ابتعاد كل رفض كل اختيار لحماية الذات كان درسا أعاد ترتيب الأولويات والأحلام والرغبات ليصبح الإنسان أقوى وأكثر وضوحا وأكثر قدرة على العيش بسلام وحب حقيقي لنفسه دون أن يضطر لإثبات ذاته لأحد وكل مرة يلتفت فيها للخلف يرى كم
الأسئلة التي كانت بلا إجابة والخيانات التي لم يشعر بها إلا الصمت وكيف أن هذه الصمتات صنعت منه إنسانا واعيا قادرا على التفريق بين من يستحق ومن لا يستحق ومن يعطي ومن يأخذ ومن يحب بصدق ومن يتظاهر بالحب ليخفي النوايا والظلام الداخلي وفي كل مرة يختار الصمت يعيد اكتشاف ذاته ويزيد وعيه ويجعل قلبه متسعا للحياة للأمل للحب الحقيقي دون أي تأثير لما حوله دون أي
انتظار لموافقة أو تقدير من أحد فهو أصبح يعرف أن أعظم قوة في الحياة هي أن تكون صامتا وتراقب وتتعلم وتختار ما يرفعك دون أن يثقل كاهلك شيء أو شخص وبهذا يصبح الصمت مرآة الروح الحقيقية وكل من يقرأ حياته يرى بوضوح القوة التي اكتسبها من خلال هذه اللحظات الصامتة التي صنعت منه إنسانا كاملا متزنا واعيا قادرا على مواجهة الحياة بوعي وحب وصبر وسلام داخلي
الصمت هو الذي كشف له زوايا روحه وأعمق أفكاره هو الذي جعله يرى نفسه بصدق هو الذي علمه أن يستعيد السيطرة على حياته وأن يبعد كل ما يعيقه عن سعادته وأن يختار الناس والأماكن والأشياء التي تمنحه طاقة ونقاء هو الذي جعله يكتشف أن الرحلة الحقيقية ليست في ضجيج العالم بل في هدوء القلب وفي وضوح الرؤية وفي القدرة على أن تكون واقعيا مع نفسك ومع من حولك
وفي القدرة على بناء حياة تقوم على اختيار واع لا على توقعات الآخرين الصمت أصبح مرشده ومرآته وملاذه النهائي وفيه تعلم أن الحياة ليست لمن يصرخ بصوت عال بل لمن يفهم الصمت ويصنع منه طريقا نحو الحرية والسلام الداخلي






