حين تنسى الطرق أسماء العابرين

نشأت البسيوني

ويظل الانسان يمشي حتى وهو لا يعرف الى اين تمضي قدماه ويكتشف ان البدايات لم تكن في اول الطريق بل في اللحظة التي توقف فيها عن انتظار ما لا يعود وان القلب الذي ظن انه انكسر كان في الحقيقة يتعلم كيف يحمل نفسه دون التفات وان الصمت الذي خاف منه كان مساحة امان لا مساحة فقد وان التعب الذي ظنه نهاية كان انتقالا خفيا لمرحلة لا تشبه التي قبلها ويتابع السير وكأنه
اختبر كل الاحتمالات ولم يعد يحتاج الى تفسير ويلاحظ ان الاشياء التي رحلت لم تأخذ منه شيئا بل تركت فراغا نظيفا يصلح للبدء وان الذاكرة التي ظنها عبئا صارت اخف حين توقف عن مطاردة التفاصيل التي لم تنصفه وان الوقت الذي كان يهرب منه صار صديقا هادئا لا يطالبه بشيء وان الاحلام القديمة التي انطفأت لم تنته لكنها كانت تنتظر قلبا لا يرتجف ويفهم ان الطريق لا يقسو
على احد لكنه يكشف ما يخفيه الانسان عن نفسه وان الذين عبروه قبل ان يلتفتوا لم يكونوا مستعدين للبقاء وان الذين تأخروا لم يخسروا شيئا بل ادركوا ان الوصول ليس سباقا وان البعيد قد يكون اقرب للروح من كل ما ظنه قريبا وان ما سقط في المنتصف لم يكن خسارة بل تخفيفا كي لا يثقل الحمل على الخطوة التالية ويواصل المسير وهو يعرف ان لا وعد ينتظره في نهاية الطريق
وان القيمة ليست في الوصول بل في الخطوات التي لم يتراجع عنها وان المكان الذي لم يجد فيه نفسه لم يكن خطأ بل كان علامة على ان الطريق ما زال قابلا للاتساع وان الروح حين تهدأ ترى ابعادا لم تكن تراها في العتمة وان الحقيقة لا تظهر بصوت مرتفع بل تمر بهدوء يشبه يد تربت على كتف متعب وفي هدوء يشبه المصالحة يدرك ان اسمه لا يحتاج ان يتذكره الطريق وان العابر الحقيقي لا
تهمه الشواهد وان الحياة لا تمنح اعلان بداية بل تفتح بابا صامتا لمن يملك الشجاعة كي يمر دون خوف وان الطريق الذي نسي الاسماء منح الانسان فرصة ليعرف نفسه دون مرآة دون شاهد دون انتظار نهاية كي يشعر انه اكتمل وان النهاية لم تكن عند اخر خطوة بل عند اللحظة التي توقف فيها عن البحث عن دليل كي يصدق انه ما زال واقفا ويكمل الانسان سيره كأنه يبحث عن نفسه لا عن مكان
ويكتشف ان الخطوة التي ظنها بسيطة كانت ابعد مما تصور وان الوحدة لا تأتي فجأة بل تتشكل مثل ظل يتقدم ببطء حتى يغطي الروح كلها دون ضجيج ويشعر ان الوجوه التي رحلت لم تغادر فعلا بل تركت صدى خفيا يشبه اللمس لكنه لا يعود ويتعلم ان الطريق لا يحتاج الى خرائط بل الى شجاعة تعترف بان المسافة احيانا ليست بين مكانين بل بين قلب يعرف ما يريد وقلب يخشى ان يقترب
وان الطرق التي كانت تفتح ابوابها صارت تغلقها بهدوء كأنها تعلم ان العابر لن يعود وان الاثر الذي يتركه الانسان لا يرى بالعين بل يحس حين يسقط الليل على الذاكرة دون انذار ومن يظن ان الطرق صامتة لا يدرك انها تحفظ ارتجاف الخطوات حين يتردد صاحبها بين البقاء والرحيل وتحفظ تغير النفس حين يثقل القلب بما لا يظهر في الوجه وتحفظ خيبة الامل حين يفشل الانسان في
الامساك بما ظن انه قريب وتحفظ لحظة الشجاعة حين يقرر اخيرا ان يمشي رغم الخوف فالبوح ليس دائما كلاما احيانا يكون خطوة لا يسمعها احد لكنها تغير كل شيء وفي لحظة غير متوقعة قد يشعر الانسان ان العالم توقف لثانية واحدة لا يسمع خلالها سوى نبض قلبه فيعرف ان ما كان يبحث عنه خارجا كان يسكنه منذ البداية وان الطريق لم تكن تقوده الى مكان بل كانت تعيده اليه وان
الضياع لم يكن فقدانا بل بداية لا ادراك اعمق وان الاشياء التي رحلت لم تكن عقابا بل مساحة فارغة لشيء جديد لم يصل بعد وهكذا تظل الطرق تنسى اسماء الذين مروا بينما تتذكر فقط من فهموا ان السير ليس هروبا ولا بحثا عابرا بل طريقة للحياة وان المرء لا يصل لانتهى بل لان بدأ يرى وان النهاية ليست اخر الصفحة بل اللحظة التي يدرك فيها ان الطريق لا تمنح احدا اجابات جاهزة
بل تمنحه القدرة على السير دون خوف حتى حين لا يعرف الى اين يقوده الامتداد الطويل الذي لا يكشف اسراره الا لمن يواصل المضي بصمت وثبات دون ان يلتفت للخلف ودون ان ينتظر ان يتذكره الطريق ويكمل الانسان السير كأنه يبحث عن نفسه ويكتشف ان الطريق لا يحتاج الى دليل وان النسيان لا يعني اختفاء الاشخاص بل ذوبان حضورهم في تفاصيل اخرى وان الطريق الذي لا ينادي
باسماء اصحابه لا يعاقب احدا هو فقط يمارس طبيعته التي لا تلتفت خلفها وان الارواح التي رحلت لم تهزمها المسافات بل هزمها الوقت حين تأخر قليلا عن منحها ما تستحقه وان النهاية ليست سقوطا بل نجاة وان الطريق الذي لا يذكر اسمه ربما كان اصدق من الف حضور وان الذين لم يتوقفوا الى جانبه كانوا مجرد عابرين لا يصلحون للبقاء وان القلب حين يتصالح مع خسارته يبدأ رحلة
جديدة لا تحتاج الى دليل ولا الى يد تمسك به يكفيه ان يعرف ان الضوء مهما تأخر فإنه يصل في اللحظة التي لا ينتظر فيها احد ويمضي الانسان في رحلته بين لحظات لا يفهم فيها كيف تغيرت ملامح الطريق ولا متى صار يحمل بداخله هذا القدر من الاسئلة التي لا تنطفئ ورغم ذلك يكمل دون ان يلتفت كثيرا كأنه يعلم في داخله ان كل خطوة مهما بدت عابرة تحمل معنى لم يكشف بعد
وان كل شعور مر به لم يكن هزيمة بل اشارة خفية تقوده الى مكان لم يكن ليتشكل لولا ذلك الفراغ الذي ظنه مؤلما ثم تحول الى مساحة جديدة تسمح له ان يرى نفسه بوضوح اكبر وان يتعلم ان الاشياء التي تذهب ليست كلها خسائر وان البقاء ليس دائما علامة على القوة فهناك ما يرحل ليحميك وهناك ما يسقط لتنهض دون ان تدرك كيف حدث ذلك وفي لحظة ما يدرك الانسان ان اجمل ما في
الرحلة ليس الوصول ولا النهاية بل الاكتشاف البطيء لما يخفيه قلبه عنه ولما تخبئه الحياة له وان المعنى الحقيقي لا يأتي دفعة واحدة بل يتسرب مثل الضوء عبر شق صغير حتى يملأ المكان كله دون ان يشعر وان اعظم الانتصارات لا تحتاج تصفيقا ولا شهودا بل تحتاج صدقا مع النفس وقدرة على الاعتراف بما كان وبما تغير وبما لن يعود وان الانسان يكمل طريقه لا ينتظر معجزات تهبط من
السماء ولا يبحث عن ضمانات قبل الخطوة التالية فقط يحمل ايمانا بسيطا بان الغد ليس عدوا وبان الحياة رغم قسوتها تعرف كيف تواسي من يستحق وتفتح الابواب لمن لم يفقد الامل في ان هناك بابا ما ينتظره حتى لو لم يعرف مكانه بعد ويكمل الانسان السير كأنه يبحث عن نفسه لا عن مكان ويكتشف ان الخطوة التي ظنها بسيطة كانت ابعد مما تصور وان الوحدة لا تأتي فجأة بل تتشكل
مثل ظل يتقدم ببطء حتى يغطي الروح كلها دون ضجيج ويشعر ان الوجوه التي رحلت لم تغادر فعلا بل تركت صدى خفيا يشبه اللمس لكنه لا يعود ويتعلم ان الطريق لا يحتاج الى خرائط بل الى شجاعة تعترف بان المسافة احيانا ليست بين مكانين بل بين قلب يعرف ما يريد وقلب يخشى ان يقترب وان الطرق التي كانت تفتح ابوابها صارت تغلقها بهدوء كأنها تعلم ان العابر لن يعود وان الاثر
الذي يتركه الانسان لا يرى بالعين بل يحس حين يسقط الليل على الذاكرة دون انذار وان الطرق تظل تنسى الاسماء لكنها تحفظ من فهم ان السير هو حياة وان النهاية ليست هدفا بل لحظة اكتشاف وان الانسان يمشي مهما طال الطريق حتى حين ينسى الجميع ولا يعود شيء كما كان وان الرحلة الحقيقية هي داخل الانسان قبل ان تكون خارجه وان كل خطوة تعلمه كيف يعيش وكيف يصمت وكيف يفهم وما يريده وما يتركه وما يحميه وما يتعلمه وان كل ما رحل او تأخر كان جزءا من هذه الرحلة التي لا تنتهي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *