حين صار القلب ترابا لا يعود

بقلم/نشأت البسيوني
لم أكن أعلم أن للقلب ساعة وفاة ولا كنت أتصور أن الأرواح تشيع بلا جنازات وأن بعض الموت يحدث بصمت أثقل من كل ضجيج العالم كنت أظن أن القلب يحيا بالنبض ويقاوم بالعاطفة ويبعث كلما لامسته يد حنان أو كلمة دفء لكنني لم أعرف أنه قد يصل إلى لحظة يختار فيها السكون الأبدي لا رغبة في الراحة بل يأسا من الحياة التي لم تنصفه يوما
ذلك القلب الذي حمل عمري كله الذي ظل واقفا رغم الكسور الذي كلما خذلوه رقعته بالأمل وكلما جرحوه ضمدته بالصبر ذلك القلب نفسه هو الذي أعلن نهايته دون استئذان انطفأ كما تنطفئ شمعة تركها أهلها وحدها في ليل طويل فأسلمت نورها للظلام
لم أبكه لحظة موته بل بكيت عمري الذي تركته فيه بكيت الأيام التي صدقت فيها أن الوفاء يحيي وأن الحب ينقذ وأن المشاعر أقدس من أن تداس بكيت لأنني سمحت لنبضي أن يكون ضعيفا أمام قسوة لا حدود لها
دفنت قلبي بيدي لا في التراب بل في قرار داخلي يشبه القبر حفرت له حفرة في صدري وقلت له نم الآن لقد تعبت بما يكفي وكم كان صمته ثقيلا كأنه يلومني كأنه يقول لم أمت وحدي لقد ماتت معى آخر أحلامك
ومع ذلك كان علي أن أمضي فالحياة لا تجلس بجوار القبور ولا تنتظر أن تعود الأجزاء المكسورة إلى أماكنها الحياة تدفعك دفعا حتى وإن كنت تحمل نعش مشاعرك فوق كتفيك
تعلمت بعد موت القلب أن الإنسان لا يساويه أحد وأن العطاء بلا تقدير هو ذنب لا يغتفر تعلمت أن الطيبة إن لم تحط بسياج من الحزم تحولت إلى باب واسع يدخل منه كل جرح وكل خذلان تعلمت أن لا أحد يستحق أن يفقد المرء نفسه من أجله مهما كان اسمه مهما كان قربه ومهما كانت الذكريات التي يخفيها خلف ابتسامته
ومن يوم دفنت قلبي لم أعد أبحث عن حب يعود بي إلى الحياة لم أعد أصدق الكلام الذي يشبه الندى وهو في حقيقته سم لم أعد أمد يدي لمن رأى انكساري ولم يحرك بداخله شيئا اكتشفت أن النجاة قرار وأن القوة ليست في الصمود فقط بل في الانسحاب حين تتحول المحبة إلى مقصلة
واقف أنا الآن بلا قلب لكنني واقف بلا نبض يهرول خلف أحد بلا خوف من الفقد بلا شغف يساق للمذبح ربما لم أعد ذلك الإنسان الذي يبتسم بسهولة ولا الذي يصدق بسهولة ولا الذي يمنح بسهولة لكنني أصبحت الإنسان الذي يحمي نفسه
أما القلب الذي دفنته فلا أنتظر منه قيامه ولا أريد له أن يعود كما كان يكفيني أنه رحل وهو يعرف أنني لم أظلمه يوما وأن آخر نبضة فيه كانت تحمل اسما لم يحسن يوما أن يحافظ عليه
ومهما طال الطريق بعده سأمشي فالموت الحقيقي ليس موت القلب بل موت الكرامة وقد اخترت أن أعيش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *